الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
46
نفحات القرآن
11 - يوم الحسرة ورد هذا التعبير في آية واحدة من القرآن وهو من التعبيرات التي تهز المشاعر عن يوم القيامة ، فهو يوم الحسرة والأسف والندامة ، قال تعالى : « وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذ قُضِىَ الْأَمْرُ وهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَايُؤْمِنُونَ » . ( مريم / 39 ) « الحسرة » : من مادة « حَسْر » ، قال صاحب ( المفردات ) وصاحب ( مقاييس اللغة ) وعدد آخر من اللغويين : إنّها بمعنى الكشف ، فمعنى حسرتُ عن الذراع كشفتُ عنها ورفعتُ عنها الكُم ، ثم أطلقت كلمة حسرة على الغم والهم الحاصل من ضياع الفرص أو بعض الأمور ، فكأن حجاب الجهل يُرفع عن الإنسان فيكتشف اضرار الأعمال التي كان يمارسها وتظهر له الحقيقة على ما هي . لكن البعض الآخر يعتبر الأصل في الحسر هو « الانسحاب » ، ولكن الحقيقة أنّ الانسحاب من لوازم المعنى الأول ، فعندما ينسحب ماء البحر إلى الخلف مثلًا فإنّ من الطبيعي أن تظهر السواحل التي كان يغطيها الماء ، أو عندما يسحب الإنسان كُمَّه إلى الخلف فإنّ ذراعه سوف تنكشف « 1 » . على أيّة حال فإنّ الحزن والأسف والندامة من لوازم مفهومه ، وأنّ يوم القيامة هو يوم الهم والندامة والحسرة حقاً ، لا للمذنبين فحسب بل للمحسنين أيضاً ؛ ذلك لأنّهم عندما يشاهدون المكافآت الإلهيّة العظيمة فإنّهم يتأسفون على أنّهم لماذا لم يحسنوا أكثر ممّا أحسنوا ! ؟ وقد صرّح بهذا عدد من المفسرين « 2 » ، إلّاأنّ الفخر الرازي يقول : إنّ الحسرة لا تشمل أصحاب الجنّة بل تكون من نصيب المُسيئين فقط وذلك لعدم إمكان وجود أي غم أو هم في الجنّة « 3 » .
--> ( 1 ) التحقيق ، ج 2 . ( 2 ) تفسير مجمع البيان ، ج 6 ، ص 515 ؛ وتفسير روح البيان ، ج 5 ، ص 335 ؛ وتفسير روح المعاني ، ج 16 ، ص 85 . ( 3 ) تفسير الكبير ، ج 21 ، ص 221 .